Sémiotique et Critique السيميائيات والنقد

Bienvenue à nos hôtes // email: dahi53@hotmail.com

Classé dans : Article,Non classé — 16 juin, 2008 @ 23:22

 

المسألة الثقافية

محمد الداهي

تعد الثقافة عنصرا أساسيا إن لم نقل جوهريا في البناء والتحديث المجتمعيين. فبفضل هذا العنصر الحيوي استطاعت دول، على نحو اليابان وألمانيا والصين، أن تضمن لنفسها مشاركة فاعلة في العولمة. فهي-على نحو متفاوت- وعت بأن الإصلاح الثقافي يمثل مدخلا للنهوض الاقتصادي والتكنولوجي والتنمية المستدامة.

وما يؤسف له أن الدول العربية تنتقص من دور الثقافة في التنمية والتغيير المنشودين، وتتعامل معه كما لو كان وسيلة للترفيه والاستهلاك والفرجة. وبالمقابل، تراهن على مجالات أخرى بدعوى أنها مؤهلة أكثر من غيرها لإحداث التغييرات المتوخاة.

وهذا ما يقتضي إعادة النظر في مفهوم الثقافة حتى تضطلع بوظيفتها الإصلاحية والتربوية على الوجه الأحسن، وتصبح عنصرا فعالا يتلاقح مع عناصر ومكونات أخرى  لبناء الإنسان و تحديث المجتمع وتسريع وتيرة تقدمة ورقيه. ولا يمكن للتحديث أن يتحقق إلا في ضوء إصلاحات ثقافية وتربوية تمس الوجود الإنساني من جوانب متعددة، تتضافر فيما بينها ليس لتأهيل الإنسان ليصبح مواطنا صالحا فقط، وإنما  ليكون مواطنا فاعلا ومنتجا أيضا. ينبغي توسيع  مجال الثقافة حتى لا تبقى قصرا على التحصيل المعرفي، وإنما تتعداه لتهم الكينونة البشرية في أبعادها البيولوجية والاجتماعية والرمزية والروحية. وعليه فإن الإنسان مطالب باستيعاب مختلف أنواع الثقافات التي تعني بوجوده ليكون عنصرا فاعلا في محيطه الاجتماعي والاقتصادي. ومن ضمنها نذكر أساسا: ثقافة التدبير، وثقافة المواطنة، وثقافة الصيانة، وثقافة المحافظة على البيئة، والثقافة الجمالية..الخ.

وفي مقدمة الأمور التي ينبغي للإصلاح الثقافي أن يركز عليها، نذكر أساسا: إصلاح النظم والمناهج التعليمية، وتأهيل الموارد البشرية، وإقامة لبنات حكامة جيدة لجعل الثقافة في متناول الجميع وليس حكرا على فئات محدودة وترسيخ تقاليد ثقافية مستدامة، وإنعاش الثقافات الصناعية، وتقليص مختلف الفجوات الرقمية التي تعيق الانخراط في روح العصر بالمؤهلات المعرفية والتقنية اللازمة، وأرشفة التراث بأدوات وسبل متطورة، واستحداث بنيات جديدة لترويج وتوزيع المنتوج الثقافي على نطاق واسع.

 فبدون تكوين الإنسان وتأهيله والمراهنة على دوره لا يمكن للبنى التحتية -رغم أهميتها- أن تسعف على خلق إشعاع ثقافي . وهذا ما يستدعي تضافر جهود وسائط ووجائه متعددة ( وزارة الثقافة، والإعلام، والأسرة، والمدرسة، والجمعيات والأحزاب..) حتى تؤدي الثقافة الرسالة الاجتماعية والحضارية والتنموية المنوطة بها.

ينبغي إعادة النظر في المسألة الثقافية سعيا إلى تأدية وظيفتها التحديثية على الوجه الأحسن. وهذا يتطلب مراعاة ما يلي:

أ-لا أحد ينكر العلاقة الجدلية بين الثقافي والسياسي. وما يجب الحذر منه هو جعل الثقافي رديفا وتابعا للسياسي. وهو ما يؤثر سلبا في وظيفة الثقافة داخل المجتمع، وينتقص من قدرتها على نقد السياسة وتوجيهها، ويحول دون ممارسة السياسة من منظور ثقافي.  ما هو شائع في المجتمعات العربية أن السياسة تجر « عربة الثقافي » ؛ وهذا ما يجردها من وظيفتها النقدية، ويجعلها عاملا من عوامل التنميط والامتثالية، وإعادة إنتاج البنيات الذهنية ولاجتماعية، وإقصاء كل ما يدعم الحوار البناء والتفاهم اللغوي المثمر ( أي كل ما يمكن ، وفق  تصور يورغان هابرماصJürgen Habermas، أن يدفع في اتجاه الدخول في مشاريع اجتماعية جماعية  وتنسيق المصالح المشتركة (التوافق)).

ب-ينبغي اعتبار مقومات الهوية الثقافية ( وفي مقدمتها الدين الإسلامي واللغة العربية) ملكا للمغاربة جميعهم ومعطى ديناميا ( حركيا) وملتقى لتفاعلات ثقافية متنوعة. وهذا ما يمكن أن يعزز التعددية الثقافية في إطار وحدة وطنية متراصة، ويدعم تفاعلها وتكاملها ( النقد الطباقيContrapuntal criticism)[1] عوض تناحرها وتشظيها ( النقد العدائي).

ج-إن إرساء التعدد الثقافي ( وضمنه التعدد اللغوي) رهين بترسيخ أسس  » مواطنة ديمقراطية » مناهضة للأصولية المتزمتة، و مناصرة لكل ما يضمن الانخراط في مشروع جماعي مشترك ( بدلا من الاستسلام لتمايزات واهية: اللون واللغة والعرق )، ومتشبثة بخيار اجتماعي يضمن حقوق الفرد ومواطنته ويحقق ما يتوخاه من عدالة اجتماعية. وإذا فرض هذا الاتجاه نفسه فإن الإبداع الأدبي والإنتاج الفكري سيتسعان ليستوعبا قيما كونية جديدة، هي بصدد التكون والتبلور، في سياق عالمي يجنح أكثر نحو العنف والمجابهة وهيمنة العولمة الاستهلاكية ( عوض العولمة المنصفة أو العادلة La mondialisation équitable ).

د-ينبغي إعداد عقد اجتماعي(Contrat social) يحدد المعالم الكبرى التي ينبغي للمجتمع الحداثي أن يهتدي بها . ويمكن أن نختزلها في الأسئلة الآتية: أي مجتمع نريد؟ ما الحقوق والوجبات التي يجب الاحتكام إليها في ممارستنا اليومية؟ ما القضايا الثقافية الأساسية التي يتوجب الانكباب عليها؟ ما الخطوط العامة للسياسة اللغوية في المغرب؟ ما علاقة التعدد الثقافي واللغوي بالوحدة الوطنية؟ ما السبل لدعم اللغة العربية ( اللغة الرسمية دستوريا) تربويا ورقميا وإعلاميا؟

ه- من الأمور الملحة ضمان تكافؤ فرص الولوج إلى الثقافة(Accès à la culture) ودمقرطتها والاستفادة منها وذلك حتى لا تبقى حكرا على فئات محدودة وعاملا من عوامل الأبهة والتميز. وهذا ما يقتضي تعميم المكتبات في ربوع المملكة، وترسيخ التقاليد الثقافية حتى لا تظل الثقافة موسمية وترفا، وتأهيل الناس للتعامل إيجابيا مع الانفجار المعلوماتي واستثماره في التنمية المستدامة، وبناء مكتبة وطنية ورقمنتها(Numérisation) للمحافظة على الإرث الثقافي من الضياع، وترميم المخطوطات المتآكلة أو المتضررة وصيانتها بطرق تكنولوجية متطورة، وتوفير الخدمات اللازمة ليستفيد منها القراء عن بعد.

ز-رغم ما يوفره الانترنيت من عوامل الدمقرطة الثقافية ما زالت شعوب كثيرة تعاني من هول الفجوات الرقمية وهذا ما يعيق تقدمها ويؤثر سلبا على مردودها، ويحرمها مما يلي:

اعتماد المعلومات مصدرا استراتيجيا في العملية الإنتاجية.

الاستفادة عن بعد من  » رقمنة مجموع المعطيات التي أنتجها الذكاء البشري ».

 استخدام التقنيات الجديدة التي أحدثت تحولات جوهرية في صلب الممارسة الاجتماعية، واستثمار المعرفة المتكاثرة بشكل مهول.

 مواكبة ثورة اكتشاف التشعب النصي(Hupertextualité) وامتلاكه وإنتاجه.

         الانتقال من الأنماط الهرمية في التنظيم (نظم الرقابة والتسيير المركزي) إلى تعدد مراكز اتخاذ القرار( أنماط الرقابة الذاتية، اللامركزية، المشاريع التشاركية).


[1]- أخذ إدوار سعيد هذا المصطلح من المجال الموسيقي ووظفه في تحليلاته النقدية والسياسية ليعني به أصوات في غاية التنوع والتعدد لكنها تتقابل  وتتكامل فيما بينها لأداء الوظيفة نفسها.

Pas de commentaire »

Pas encore de commentaire.

Flux RSS des commentaires de cet article.

Laisser un commentaire

 

castelnaulatourpointdevue ... |
plaisir2lire |
Agatha Christie, sa vie, so... |
Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | culture
| HAZA LANITRA
| beauty $pot